السيد عبد الأعلى السبزواري

184

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

والتواب إما بمعنى قبول التوبة عن عباده كثيرا بحسب كثرة التائبين أو أنه عزّ وجل يقبل توبة العبد الواحد وإن صدر الذنب عنه متعددا ، أو يكون بمعنى كل منهما ، وجميع ذلك صحيح . والجمع بين وصفي التواب والرحيم فيه إيماء إلى أنه تعالى يتفضل على التائب ، مضافا إلى العفو والمغفرة بالإحسان إليه . وفي مثل هذه الآية المباركة دلالة واضحة على أن اللّه تعالى هو الذي يلهم عباده التوبة ويقبلها ، وأن بابها مفتوح من حين هبوط آدم ( عليه السلام ) إلى انقراض العالم ، بل التوبة من أهم ما انتفع به الإنسان من الهبوط إلى الأرض ، فإنه تعالى جعل من حكمته التوبة والعصيان قريني الإنسان كفرسي الرهان ، فهذه الآية المباركة في مقام بيان بعض حكم الهبوط وفي الآية التالية البعض الآخر . قوله تعالى : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً . قد ذكر سبحانه وتعالى الهبوط مرتين : الأولى - لبيان أصل الهبوط من الجنّة إلى دار الشقاء والعناء والعداء ، كما عرفت . والثانية : لبيان الغاية من هذا الهبوط وهي ظهور سعادة السعداء ، وشقاوة الأشقياء فالآية تبين الغرض من الخلق ، وأنّه كان في الأرض ، والخطاب هنا ظاهر في الجميع أي : آدم ( عليه السلام ) وذريته . ويمكن أن يقال : إنّ الهبوط الأول من حيث الجهات المادية الجسمانية أي الدنيوية . والهبوط الثاني من حيث الاستكمالات المعنوية في سلسلة الصعود إلى المقامات العالية الإنسانية ، ولذا ذكره تعالى بعد التوبة والرجوع إلى اللّه عزّ وجل ، وأنه الغاية القصوى من الهبوط ، وذكر قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . بعنوان مستقل لئلا يتوهم أحد أنه غاية الهبوط أيضا ، بل هو أمر اختياري حاصل لمن اختار ذلك بعمده واختياره .